حيوان أليف

تلقيت من أخت كريمة رسالة طويلة تشرح بها مشكلتها لعزوف الشباب عن التقدم لأختها الكبرى حتى تجاوز سنها الأربعين وتخشى أن تلقى المصير نفسه. هذا الأمر يؤرقها ويسبب لها مشاكل عديدة مع من حولها وفي مقر عملها. ذلك أنها لا تأخذ كفايتها من ساعات النوم بالليل بسبب التفكير في العنوسة المقبلة عليها كما وصفتها فلا تنام إلا سويعات قليلة وأحياناً تواصل السهر لحين وقت الدوام الرسمي. وحيث أنها لا تأخذ كفايتها من النوم ليلا فهي بالتالي تذهب متأخرة عن ساعات الدوام الرسمي بعملها ، أما حين تواصل الليل بالنهار فإنها تكون مجهدة أثناء وقت الدوام وغالبا ما تبحث عن عذر هنا او هناك لتخرج مبكرا وتعود للبيت لتنام. قالت بأنها تنام معظم اليوم خلال الفترة الممتدة ما بين وقتي العصر و العشاء وهي بذلك تضيع صلاة المغرب وأحيانا العصر.
قالت بأنها حاولت تفادي التفكير في أمر الزوج إلا أن شبح العنوسة ما يلبث و أن يخيم بذاكرتها لتعود من جديد إلي مقارنة وضعها بوضع أختها التي تصر هي بأنها قد أصبحت عانسا من وجهة نظرها هي. توسلت كثيرا أن أجد لها حلا يخلصها من هذا الكابوس حسب وصفها.

حسنا .. مبدئياً أرى بأن هناك أكثر من مشكلة في وضعها .. فقلة النوم .. والتأخر عن الذهاب للعمل في وقت الدوام الرسمي ، والبحث عن عذر للخروج مبكرا ، ومواصلة الليل بالنهار ، والنوم مابين العصر و العشاء ، وإضاعة صلاتي العصر و المغرب كل ذلك بالتأكيد يؤثر على أداءها في العمل و في المنزل و يخلق لها مشاكل عديدة و متعددة مع كل من حولها.
اقترحت عليها أن تقتني حيوان أليف (وهذا علاج منطقي لحالتها) لأن غريزة الأمومة متأصلة بداخل كل بنت ، ألا ترى الفتاة الصغيرة في سن الثالثة وما فوق تقتنى العرائس البلاستيكية وتهتم بها أيما اهتمام بدءا من إطعامها مرورا بتغيير ملابسها وإنتهاء بإركابها في عربة صغيرة والطواف بها في ارجاء البيت؟
إن غريزة الأمومة متأصلة بداخل كل بنت وفتاة وسيدة ، وعليه فقد إقترحت عليها إقتناء حيوان أليف كقطه مثلا ، فالقطط وخصوصا القطط الرومية والفارسية تتسم بالدلال المفرط الذي يستوجب إقتناءها وبأثمان باهضة .. إلا أنها فاجأتني حين قالت بأنها تخاف من القطط و الكلاب!!..
وهذه مشكلة جديدة تنظم إلي مشاكلها السابقة فلم أضع لها إعتبار !!
حسنا .. لننسى أمر القطط .. ما زلت عند اقتراحي .. أن تقتني حيوان أليف وتعتني به وتعلمني بالنتيجة ...

بعد ما يقارب الشهرين تلقيت منها الرسالة التالية...
إستاذي الفاضل ...
لا يسعني إلا أن أشكرك وأدعوا الله أن يوفقك لقد نفذت نصيحتك و أشتريت حوض لتربية أسماك الزينة ووجدت فيها متعة لا توصف خصوصا عند مراقبتها صباحا وحين وقت إطعامها .. لقد حصلت على سمكتين في الأول ثم أضفت اليهما مثلثهما ثم أضفت أكثر حتى صار العدد يقارب العشرين سمكة وفي كل مرة أشتري حوض أكبر و زودته بجهاز لتنقية الماء و شجيرات وحصى و مواد معقمة ، في الواقع لقد أصبحت خبيرة في تربية أسماك الزينة لدرجة أنني صرت أتاجر بها أيضا .. بالنسبة لدوامي فقد ثبت والتزمت بمواعيده وأبشرك بأن أوراق ترقيتي قد رفعت للإدارة العليا الأسبوع الماضي أما ساعات نومي فقد تحسنت كثيرا كثيرا خصوصا أنني قد الغيت فترة نوم العصرية من قاموسي حيث أقضي معظم وقتي في العناية بسمكاتي العزيزات وصرت اخلد للنوم مبكرة و أصحوا مبكرة.
شكرا أستاذي وعذرا لأنني قد قلت لك أنني نادمة لتواصلي معك وطلب المشورة في مشكلتي حين أبلغتني أن حل مشكلتي يكمن في تربية حيوان اليف ؟!! .. لقد حسبت أنك تسخر مني ، إلا أنني إكتشفت أنك صادق فيما رميت اليه و أنني أنا التي كنت نادمة في عدم تجربة تربية أسماكي من قبل أن أتصل بك.

الخلاصة:
نجحت هذة الطريقة في تعديل مسار تفكير هذة الأخت الكريمة لأن دماغ المرأة مبني على نواة واحدة ، حيث أنها لا تستطيع أداء عمليتي تفكير و تنفيذ مهمة يدوية في وقت واحد ، مثلا لا يمكن للمرأه أن تقود السيارة وفي نفس الوقت تحسب سرعة عدد الكيلومترات التي تسير بها ، أو أن تتجاوز مطب او حفرة على الطريق ، وعليه ، فإن تعديل مسار تفكير تلك الأخت و إبدال تفكيرها في العنوسة إلي أداء مهمة عملية (تربية الأسماك) كفيل بإنتشالها من هاوية الوهم الذي قوقعت نفسها فيه.

التوازن بين الجسد و العقل و الروح

(من المهم أن تعلم أن الطب البديل يقوم على أساس رؤية عميقة لكيفية عمل الجسم ، فالطب الأكلينكي التقليدي يفهم الأمراض على ضوء السبب و النتيجة ، فيعالج إلتهاب المثانة الناتج عن إرتفاع ضغط الدم بالمضادات الحيوية لقتل البكتيريا ، بينما في المقابل يتخذ الطب البديل نظرة أشمل فيرى الأنسان ككتله واحدة ويعزي سبب المرض إلي إضطراب في التناغم و التآلف الموجود لدى الشخص السليم بين الجسد و العقل والروح.
إن الطب البديل يهدف إلي إكتشاف مبرر عدم التوازن الذي يسبب المرض وإصلاحه ، فقد أظهر بحث حديث أن نظام الدفاع المناعي – وهو وسيلتنا الرئيسية للوقاية من البكتريا و الفيروسات و التغير الذي يحدث للخلية الخبيثة و الشيخوخة المبكرة – يضعف بسبب التوتر و القلق و الأكتئاب مما يجعلنا أكثر إستعداداً للأمراض المعدية و السرطان ، وقد سار هذا الدليل المادي بإتجاه تأكيد التفاعل الحيوي بين الجسد و العقل والروح).

حين شرحت المعطيات أعلاه لشخص عانى على مدى سنين عديدة من الفيروس الكبدي في وضعه الخامل كانت كفيله لإنتشاله من هاوية الكآبة التي اوقع نفسه بها و أحال حياته إلي جحيم ، فأعتزل الناس وأضرب عن الزواج لأعتقاده الجازم أن الفيروس الكبدي ينتقل للزوجه والأبناء ، بينما يفيد الطب الأكلينكي التقليدي أن نوع الفيروس الخامل الذي يحمله لا ينتقل للأخرين طالما أنه في وضع خامل ، وأن الفيروس الكبدي عموماً لا ينتقل من الأم للطفل من خلال الرضاعة الطبيعية.

(لماذا تفكر في الفيروس أن ينشط يوما ، لماذا لا تفكر في أنه سيموت على يدك أنت؟!!)
هكذا قلت له بعد أن شرحت له المعطيات عاليه ، فماذا عساها كانت النتيجة ؟.......

إن العين مرآة العقل وعندما يفكر المرء عليه أن يحرك عينيه في اتجاهات مختلفه ليستحضر المعلومه المطلوبه ، فحين كان هو يركز على المرض كانت المعلومة المطلوب إستحضارها (خاطئة) جملة وتفصيلا منذ البداية ، والعقل يبني على آخر تجربة ، والتجربة هنا هي أن الفيروس الكبدي قاتل ، وعليه فإن ذاك الشخص يهتم بهذا الجانب فقط ، فيقراء بالصحف ويشاهد في الأنترنت و التلفاز ويستحضر عقله كل ما يرتبط بهذه المعلومه وحدها فقط ، فلم يفكر بالقضاء علي الفيروس عوضا عن التفكير في متى تراه سينشط؟ ، ولم يفكر بأن هناك وصفة علاجية من الأعشاب الطبيعية تحمل براءة إختراع عالمي لطبيب مشهور تقضي على نوع الفيروس الذي يحمله ، ولم يفكر بأن هناك زراعة للكبد وأن الكبد و الطحال هما العضوين الوحيدين بالجسم البشري القابلين للنمو ، والشخص كجسد وعقل وروح ماهو إلا نتاج ما يفكر به ، فإن فكر بالمرض فهو مريض لامحاله ، وإن فكر في خسارة مال فو خاسر وإن فكر في الكسب فهو كسبان.

بعد هذة الجلسة والتي تمت عن بعد من خلال الأنترنت ، بداء هذا الأخ الكريم يبحث عن شريكة حياته وهو الذي كان يعتزل الناس وآخر ما يفكر فيه إكمال نصف دينه.
إن معظم حالات الأكتئاب مبنية على آخر تجربة مر بها العقل البشري ، ولا يمكن له أن يغيرها من تلقاء نفسه مالم يتدخل معالج او صديق او قريب ، وهذا هو السر في إنقاذ كثيرين هددوا بإلقاء أنفسهم من علو شاهق ليتخلصوا من حياتهم بسبب بناء عقولهم على آخر تجربة ، لأن آخر تجربة تجر بقية التجارب معها سواء كانت تجربه ناجحة أم فاشلة.

ثلاثة أيام أرق

زارني صديق قديم وأعلمني بأن أحد معارفه قد توفيت أمه منذ أيام ثلاثة ولم يهنا بالنوم خلالها إلا لسويعات قليلة ، ثم أنه طلب مني مساعدته في إخراج قريبه من هذة الحالة التي يمر بها.
إنتقلنا بالسيارة في اليوم التالي إلي بلدة قريبه ذاك وحين ولجنا للدخول إلي داره كان الرجل يبدو شاحبا للغاية و عليه بادية سمات التعب والسهر والإرهاق وقلة النوم.
سألته ما الذي يضايقه؟ ما الذي يجعله لا ينام؟ ومنذ متى وهو على هذا الحال؟
أجابني بأنه منذ وفاة والدته رحمها الله وهو كلما حاول النوم أخذ يفكر بها ، ثم يفكر في إستقبال المعزَّين باليوم التالي ، فكونه أكبر أخوته ، وكونه صاحب جاه و مال فإن دار العزاء يكون ببيته ويحضر اليه كل يوم جمع غفير عليه استقبالهم من بعد مغرب كل يوم الي مايقارب منتصف الليل.
قلت له ولكن أمس كان آخر يوم للعزاء ولن يأتي إلا من تخلف وهذا من النادر ، أجابني: ماذا أفعل أصابني الأرق منذ وفاة الوالدة رحمها الله أي منذ ثلاثة أيام وتعودت عليه.
أممممم .. يبدو لي أن حالته تنقسم الي جزئين (حزن مكبوت و هم متراكم) وهذا يمكن تجاوزه بسهوله لو انه أستجاب لما سأمليه عيه.

حسنا... لنبداء في العلاج ......
حددنا اولا خط زمنه ثم قلت له التالي:
مايحدث في خط زمنك هو انك تسمح بذكريات الماضي العبور عليه ناحية حاضرك ثم أنك لا تكتفي بذلك بل تواصل النظر الي همومك باليوم التالي ناحية المستقبل ثم رسمت له شكلا رسومياً على ورقة لترسيخ هذا المفهوم.

والآن .. ماذا تراه سيحدث لو أننا وضعنا عائق قوي امام الذكريات دون السماح لها بالعبور ناحية الحاضر ، ولنشبه هذه الذكريات بقطيع من الضأن ، ونشبه الماضي بالحظيرة التي يرعى بداخلها القطيع ، ونشبه العائق بباب مغلق بمزلاج عليها فلا يمكنها الخروج بتاتاً مالم يفتح أحداً لها الباب.
وماذا عن الهموم المستقبلة؟... حسنا .. طالما أن مجلس العزاء قد إنقضى فلنضع هدفا مهما مكانه .. هدف نتمنى أن يتحقق و لنضعه دائماً نصاب أعيننا بالمستقبل .. ننظر اليه فقط ونركز عليه هو فقط.

بصيغة أخرى .. لانسمح بالذكريات الأليمة بتجاوز خط زمننا ناحية الحاضر وكلما حاولت تجاوزه نعيدها الي مقرها بالماضي (قطيع من الضأن محبوس بحظيرته ولن نفتح له الباب مهما كانت المغريات) .. وعوضاً عن أن نسمح لها بالعبور ناحية الحاضر .. فإننا نركز النظر ناحية المستقبل على هدفنا المستقبلي ونستشعرة ونتذوقه كأننا نعيشه فعلاً... ننظر اليه بالعين .. ننظر للمستقبل. ولا نحاول مجرد محاولة القاء نظرة ولو عابرة الي الخلف على الماضي على الذكريات التي به على حظيرة الضأن المجبوس بداخلها لأننا إن فعلنا سنفتح الباب من جديد للذكريات الأليمه وسندور في دوامه لا نهاية لها وفي حلقة تدور حول نفسها و عليه لن نتخلص من أرقنا بتاتاً.

بادرني محدثي قائلا: في الواقع هناك هدف حقيقي أعمل عليه حاليا وهو فتح محل لتجهيز الأعراس .. عظيم .. أجبته ، إذا ركز على هدفك ، وفكر في كل صغيرة وكبيرة تخصه ، من طرحة العروسة إلي تجهيز الكوشة .. فكر في كل التفاصيل التي أنت تتمنى أن يكون مشرعك ناجحا بها.

تركناه وغادرنا داره بعد منتصف الليل مع إصراره لنا على المبيت إلا أنني فضلت تركه لإن الرسائل الإيجابية قد تم غرسها في عقله اللاواعي (الباطن) ولا يبقى للثمرة إلا أن تنبت.

في اليوم التالي جائني إتصال هاتفي من صديقي بعد العصر يعلمني بأن قريبه يقسم أيمانا بأنه قد نام ليلة البارحة قرير العين بعد خروجنا من دارة وهذه أول ليله ينام فيها منذ ثلاثة ليال ولن تكون الأخيرة بالطبع.

هناك من الناس من يجعل من الفكرة الصغيرة جبلا لأن الفكرة تكبر في الدماغ وتنمو بداخله كما ينمو العشب وإن لم تقطع العشب وتحصده لغدت الحديقة مشوهه.

خط زمن المراهقين و الأطفال

خلال زيارة لبيت صديق نادى هو على أحد ابنائه المراهقين وسأله: هل طلبت من المزارع أن يسمد احواض الزهور كما بلغتك اثناء غيابي؟ ... تلعثم الفتى ثم قال.. آآآآ ... نسيت !!. فما كان من أباه إلا أن أنهمر عليه توبيخاًً وكاد أن يمد يده عليه لولا تدخلني و صديق ثالث حيث طلبنا من الفتى مغادرة الغرفة.
بعد أن هداء .. سألته: هل تعلم لماذا نسي إبنك؟ فرد: لأنه لا يهتم و يعاند فاللعب بالبلاي ستيشن هو أكثر أهمية من طلبي !!.. قلت له: لا.. إجابتك خاطئة.. ثم سألته: كم يبلغ عمر إبنه هذا وهو الكبير من الذكور ؟ فأجاب ثلاثة عشر عاما. سألته: والصغير كم عمره: أجاب تسع سنين. عظيم: سألته برغبتي في رؤية إبنه الصغير الآن. فتسائل لماذا؟ أجبته لأسأله سؤالاً ، فقال حسنا، ثم ذهب يناديه.
حين حضر الأبن ذي السنين التسع: سألته عن اسمه و عمره وأي سنه يدرس فأجابني، ثم أنني أشرت لأباه بغمزه حني يلاحظ ما سأفعله مع إبنه الصغير. سألت الأبن: حين كنت بالفسحة المدرسية قبل يومين هل شربت ماء بارد من البراد؟ ... أجاب: لا أدري .. لا أذكر. ثم سألته: غدا حين تلعب الكرة بحصة التربية البدنية (لا) تشرب ماء بارد من البراد بل اشرب ماء عادي لأن الماء البارد بعد التمرين سيجعلك تمرض. أجاب: طيب. كررت له العبارة مرة أخرى ، ثم ذكرته ثالثه قبل أن يغادر.
التفت الي أباه سائلا ماذا لاحظت على إبنك؟ .. أجاب: لاشئ .. ثم أضاف: أتظنه سيسمع كلامك في حصة البدنية ؟ سيشرب ماء بارد .. إبني و أعرفه !!نظرت اليه مبتسما.. ثم سألته هل تعرف خط الزمن؟ أجاب:لا.. ثم أضاف ربما هو شئ يختص بالماضي و المستقبل. قلت له: أحسنت: هو خط إفتراضي تسير عليه أحداث و ذكريات الشخص من الماضي للحاضر و المستقبل، ثم أردفت: هل تذكر يوم وفاة والدتك رحمها الله؟ فأجاب بالطبع ثم أخذ يسرد لي كل التفاصيل من لحظة وفاة والدته بالمستشفى إلي لحظة دفنها بالقبر. سألته: غدا يوم سبت وهناك مهام كثيرة أمامك فهل جهزت نفسك لها؟ أجاب من فوره: بالطبع هناك الأجتماع الأسبوعي في الصباح ثم الجولة الميدانية على المنشأة ثم التحضير لزيارة المدير العام ... الخ.
سألته: هل لاحظت كيف أنك تتذكر ماضيك و تخطط لمستقبلك. إذا إعلم بأن الأطفال و المراهقين لا يملكون ماضيا ولا مستقبل. تسائل متعجباً كيف ذاك ؟!! قلت له إسمع ما أقوله لك جيدا ثم هناك واجب منزلي عليك أداءه ....الأطفال و المراهقين من سن الخامسة الي سن السابعة عشر يعيشون يومهم فقط .. يعيشون حاضرهم .. خط زمنهم مستقر بالحاضر فقط لا يهتمون بالماضي ولا يعرفون المستقبل ، لهذا حين تسأل طفل في السابعة مثلا عن شئ ما معين فعله يوم امس ، سيرد عليك أنه فعل ذلك الشئ من فترة طويله لأنه لا يفرق بين الماضي البعيد و الماضي القريب لأن خط زمنه مستقر بحاضره فقط. كذلك حين تحذره من الأنتباه عند قطع الشارع كون هذا التحذير مستقبلي فإنه لن ينظر يمنه ويسره قبل قطع الشارع لأن تحذيرك له مستقبلي وهو يعيش بحاضره فقط.لذلك حين نستخدم العبارات المستقبلية مع هذه الفئة من البشر (الأطفال و المراهقين) علينا أن نستخدمها في صيغة المضارع الحاضر فبدلا من أن نقول لهم: احذر حين تعبر الشارع من السيارات ، نستعيض عنها بعبارة : اعبر الشارع بحذر . اما فيما يختص بالماضي فإن تذكيرهم بشئ ما نستخدم معه صيغة المضارع الحاضر أيضاً كأن نقول: افعل كذا الآن كما فعلته بالأمس .
حين يدرك الأباء هذه الحقيقه (خط زمن الأطفال و المراهقين يقتصر على حاضرهم فقط) فإنهم سيريحون أنفسهم و أبنائهم من عناء و مشقة عتابهم على أمور هم - أي الأبناء - لا يدركونها وليس مرد عدم سماع تنبيهات أبائهم سببه عنادهم كما يتصور الآباء ، بل يعود السبب لإفتقار هذا السن في الأبناء لعاملي الماضي و المستقبل في خط زمنهم.
حين انتهيت طلبت من الأب أداء واجبه المنزلي وهو سؤال إبنه الصغير هل شرب ماء بارد بعد حصة التربية البدنية؟ الأجابه أعرفها مسبقا ..... لا يدري . وهذا يثبت للأب مصداقية خلو خط زمن ابنه من الماضي حين طلبت من الأبن عدم شرب الماء البارد ومن المستقبل لأنه لم يتذكر طلبي بتاتا لخلو خط زمنه من عنصر المستقبل.

إبداء و توقف

حين عدت من المكتب مساءً بادرتني الزوجة بالسؤال إن كنت قد تلقيت اتصالاً بالمكتب من جارنا (أبو فلان) فقلت لا. في مساء نفس اليوم حدثتني بأن (أم فلان) زارتها صباح اليوم وقالت لها بأن أبنهم ذو الحادية عشر عاما يواجه مشكلة حقيقيه في التبول اللاإرادي ليلاً بالفراش ، وهذه المشكلة قد ارهقتهم كثيرا ، وقد عرضوه على أكثر من طبيب وإستشاري مسالك بولية ووُصفَت له كثير من الأدوية دون فائدة تذكر ، وهم يرغبون في علاجه بالتنويم او نحوه لتخليصه من هذا. قلت لها: أريد أن أرى الولد على إنفراد.

في اليوم التالي حضر الولد وكان ولدا مرحا و خلوقا وفي غاية النشاط والحيوية ، طلبت من الزوجة اللقاء به منفردا بالمكتب المنزلي دون إزعاج ، وحين ولجنا للمكتب سالته هل تعرف لمَ أنت هنا؟ أجاب: نعم ، لتحل مشكلتي ، قلت: عظيم ،حدثني عنها، أجاب: قالت أمي لزوجتك كل شئ – بداء خجولاً – فتحت له علبة جديدة من الشيكولا السويسرية وقدمتها له قائلا: هناك عشر قطع من الشوكولا اللذيذة الرائعة بداخل هذه العلبه سآخذ أنا واحدة فقط وستاخذ أنت التسعة قطع الباقية ، ثم أخذت واحدة وبدأت افتحها وآكل منها ، ففتح هو الآخر واحدة وبداء يقضمها وكان أسرع مني في التهامها ليمد يده للثانية فبادرته حينها قائلا : هناك شئ تعرفه انت ولكن في نفس الوقت لا تعرف انك تعرفه ، وحين تدرك أنك تعرف بأنك قد عرفته عندها ستتمكن من النوم على فراش وثير نظيف و جاف. بادرني هنا قائلا: طفشوني اهلي كل شوية يودوني لدكتور ، وأخواني وأخواتي يتتريقوا علي ، وأصحابي بالمدرسة يضحكوا علي وكل ما ابغى ابات عند خالاتي او عند احد من الجيران تمنعني امي لأنها تخاف اني اسويها زي العادة بالفراش ، وأهلى احيانا يسافروا مع اخواني واخواتي الصغار ويخلوني مع الكبار بالبيت . فقلت: وأنا سأكون مثل بقية الأطباء ولكن الأختلاف الوحيد هو أنني لن أعطيك دواء لتشربه ثم طلبت منه أن أساله سؤال واحد محدد وأريد عليه فقط جواب واحد محدد وكان سؤالي على النحو التالي:

لو أنك كنت بحمام عام في المدرسة ، بالسوق ، في مجمع تجاري تتبوّل ، وفجأة دخل عليك أحدهم (رجل غريب) أو أطل برأسة من وراء الباب ماذا أنت فاعل ؟ أجاب سأجمد مكاني ثم البس سروالي بسرعة ، قلت: ممتاز .... ستجمد مكانك و تلبس سروالك وحين تفعل ستتوقف عن التبول لأنك لن تلبس سروالك وانت تتبول صح؟ أجابني : صح ، فقلت : وهذا هو ما قصدته بأن " هناك شئ تعرفه انت ولكن في نفس الوقت لا تعرف انك تعرفه" وقد عرفته الآن وهو أنه في إمكانك ايقاف عملية التبول إراديا بإرادتك كما تفعل وانت تتبول بالحمام و يطل فجأة أحدهم برأسه من وراء الباب فتوقف التبول بإرادتك أنت وليس بإرادة الطبيب ، وليس بإرادة اخوانك واخواتك ، وليس بإرادة اصحابك بالمدرسة . يابني بالنسبة لك من الصعب الحصول على فراش وثير ونظيف وجاف وقد تحصل عليه في خلال اسبوعين ولكنه بحاجة الي تدريب عملي وشاق سنسمية (إبداء و توقف) وقد تنسى او تتناسى القيام بالتدريب ، ولكن لا مشكلة هناك لأن جسمك سيعتني بك لتعيد الكرة من جديد (إبداء و توقف) ثم يظهر فراش رطب من جديد ، وايضاً لا مشكلة (إبداء و توقف) وقد تمر عليك ايام لا تمارس التدريب العملي (إبداء و توقف) وايضا لا مشكلة طالما أنك ستعيد الكرة مرات و مرات وتمارس تمرينك (إبداء و توقف) وسيكون فخراً لي و لك لو ان فراشك كان نظيفا وجافا في الصباح بعد ثلاثة أشهر من الآن ، وسيكون ايضاً فخرا لنا لو حدث بعد ستة اشهر و أول فراش نظيف و جاف سيكون أصعب من أول فراشين نظيفين وجافين و أول ثلاثة فرش نظيفه و جافة ستكون اسهل من أول فراشين نظيفين وجافين وهكذا حتى يصبح الفراش رقم مئة هو كطعم الشوكولا التي اكلتها قبل قليل لأنه اصبح سهل ويسير و عادي جدا.

أعطيته الشوكولا وخرجنا من المكتب المنزلي بعد حوالي ساعة وعشرون دقيقة و قلت للزوجة ما حدث وشرطت عليها أن لا تخبر اهله بهذه التفاصيل.

بعد ما يقارب الأسبوعين طرق باب بيتنا زائر صغير بيده علبه صغيرة و طلبني بالأسم ولكن لسؤ حظه لم أكن متواجدا بالبيت وقتها فترك الأهل العلبة الصغيرة على مكتبي وحين عدت فتحتها لأجد بداخلها خاتم صغير الحجم ورخيص من النوع الذي يستخدمة الأطفال فسألت عنه فقيل لي بأن ذاك الولد قد احضره هديه لي ... امم لقد سعدت بهديته كثيرا لأنها تقول بكل بساطة لقد حصلت على أول فراش نظيف وجاف ..

بعد حوالي سبعة اسابيع من الجلسه حصلت من الولد على هديه مشابهه أخرى ، واليوم مر حوالي ثلاثة اشهر وقد حصلت هذه المرة منه على مجلة بحالها وهذا يعني بأن مسلسل الفراش الجاف والنظيف في إزدياد.

ملحوظة خاصة: في علاج الحالات النفسية عند الأطفال والمراهقين تذكر بأن لكل منا لغته الخاصة ولا اعني بها لغة الكلام ولكن اقصد لغة التعبير ، لغة الشرح ، لغة الوصف ، فحينما تستمع للطفل المريض استمع وانصت جيدا لطريقة شرحة ووصفه وقد يتحدث بطريقه بداءية وممله من مفهومك أنت كبالغ ، ولكن في مفهومه هو هذا أقصى حد يمكن له أن يصف شعوره وما يود قوله لك فكن هو ... كن في مستواه السني والخلقي والجسدي والفكري والعقلي واللغوي والوصفي .. تلبسه كما تلبس ثيابك عليك وتنازل .. تنازل عن وضعك كمعالج الي وضعه كمريض و قبل ذلك كطفل ينشد العلاج بكل ما لديه من طاقة .. يحاول أن يعرف الآخرين بوجهة نظره على حقيقتها كما ينظر اليها هو لا كما ينظر اليها الآخرون.

بعد سنين مع السيجارة اقلع عنها خلال رحلة سفر عابرة

خلال رحلة طويلة بالطائرة صدف وان جلس بجواري شاب صغير في مقتبل العمر ومنذ اللحظات الأولى للرحلة بدأت عليه علامات عدم الرضاء والضيق ، وكأنما هو لا يرغب بالسفر ، ولم أعره انتباها في البداية ، ولكن حينما زاد تأففه عن حده ، اغلقت كتابي الذي كنت اقراء فيه وبادرته بالقول: رحلة طويله .. إيه؟ ، رد طويله وممله جدا بدون سيجارة!! .. أهااا.. إذا هذا الذي كان يضايقه ، منع التدخين بالطائرة ، والرحلة الطويله بلا سيجارة.

بادرته ، منذ متى وانت تدخن ، ورغم حداثة سنه رد: من زمااان ، وكم سيجارة تدخن باليوم ؟ ، رد: بكيت واحد او اقل ، عشرون سيجارة في مدى ثمانية عشر ساعة على اعتبار انه ينام ستة ساعات باليوم ، اي بمعدل سيجارة واحدة لكل ساعة تقريبا.

إن عملية التوقف عن التدخين لفترة تزيد عن الخمس ساعات هي رحلة الطائرة لهذا الشاب معناها الهلاك في نظره وهو الذي تعود على إشعال سيجاره واحدة في كل ساعة ولكنها بالنسبة لي كمدرب في البرمجة اللغوية العصبية والتطوير الذاتي اجدها فرصة لتخليصة من هذة السموم بطريقة غير تقليدية ودون ان افعل ذلك بشكل مباشر لأن عقلة الواعي لن يستجيب خصوصا في هذة الحالة (حالة منع التدخين بالطائرة) ، ولكن هناك العقل الباطن الذي سيسجل كل ما اقوله له دون سيطرة منه وهذا هو سبيلي للدخول.

بادرت جليسي ما الذي تفضله في الطعام؟ اجاب: الجمبري مع البطاطا المقلية ، سألته لنفرض أن الجمبري قد انقرض ولم يعد له وجود بالبحر ، فما الذي ستفضله من الأطعمة البحرية ؟ أجاب بسرعة: طبعا سمك الشعور ، ممتاز ، هذا يعني ان هناك بديل.

إن فكرة التغيير تنشأ من البحث عن البدائل ، فإذا كنت تفضل دائما الجمبري فإنك ستحصل دائما على ماتفضله ، وإذا لم توفق في الحصول عليه ، فإنك ستتجه ناحية سمك الشعور ، فأنت في هذه الحالة تفعل دائما ما اعتدت على فعله ولذا ستحصل دائما على ما اعتدت الحصول عليه ، وإذا لم توفق فيما تفعله فأفعل شيئا آخر ، وكلما كان لديك المزيد من الخيارات ، زادت بالتالي فرصة النجاح والطريقة التي تعمل بها هذه المهارات معا تشبه الي حد ما الذي يحدث حينما تستخدم اداة او جهاز جديد لأول مرة ، فأنت تقراء التعليمات المرفقة اولا وهذا هو الهدف او الحصيلة الأولية ، ثم تجرب اداء التعليمات بالتطبيق العملي على الجهاز وهذا هو الأستعمال الأمثل للحواس ، واثناء عملك تقارن التعيمات التي تنتجها على الجهاز ، فإذا وجدت انك انحرفت عن المسار الصحيح تقوم بتعديل التعليمه وتكرر هذه الدورة حتى تتقن اداء كل الجهاز وتصل بالتالي الي اهدافك دون الحاجة الي كتيب التعليمات. وبعد ذلك تبداء في صقل موهبتك واستحداث طرق جديده نابعة من ذاتك لتشغيل الجهاز لم يتم ذكرها بكتيب التشغيل .

حين شرحت لجليسي ماذكرته اعلاه ، قلت له فجأه وبطريقة مباغته: فكر للحظات في حيوان القردة ، ثم اردفت ، الآن توقف عن التفكير في القرد لحين تجاوز السحب (كنا نطير فوق كتل بيضاء من السحب) ، لا تدع القرد يمر بخاطرك في خلال تجاوزنا للسحب ... ممتاز ، الآن فكر فيما ستفعله غدا "قلت لجليسي" ، أجاب: اوووه ، هناك الكثير يجب أن انجزه غدا إن شاء الله.

توضح هذه الحيله حقيقة أن العقل لا يستطيع أن يفهم اية فكرة سلبية إلا بتحويلها إلي قكرة إيجابية ، فلكي تتخلص من تلك الفكرة الملحة بشأن القرد ، يتعين عليك أن تفكر بشئ آخر على أن يكون ايجابيا "ما ستفعله غدا" ، أما فترة المرور فوق السحب فهي لإعطاء الدماغ بعض الوقت للتخلص من التفكير السلبي بالقرد. ولكي تتجنب شيئا ما يتعين عليك اولا أن تعرف ماهية الشئ الذي تتجنبه ، وأن تركز انتباهك عليه ، وعليك أن تفكر مليا في هذا الشئ حتى تعرف تحديدا اي جوانبه التي يمكنك ألا تفكر فيها تماما مثلما يتعين عليك أن تركز بصرك على احد الأشياء حتى لا ترتطم به اثناء سيرك ، وايا كان ما تقاومه فأنه يصر هو الآخر على مقاومتك ، وهذا هو احد الأسباب التي تجعل الأقلاع عن التدخين مهمة شاقة ، فرغبتك في الأقلاع عنه تجعلك دون أن تشعر تفكر فيه باستمرار.

إنتهت رحلتنا الطويلة ووصلنا للمطار وطلب جليسي كرتي الشخصي فناولته له ثم افترقنا لتمر فترة ثلاثة أشهر او أكثر واليوم حينما فتحت بريدي الأليكتروني ، وجدت رسالة معبرة منه مليئة بكل انواع العواطف الإيجابية ، نعم .. لقد تغلب جليسي على نفسه بالتفكير الإيجابي وحول عادته السيئة من التدخين إلي الخروج للبحر وصيد السمك بالسنارة كهواية بديلة عن التدخين يعشقها و يفكر فيها بأستمرار.

تشريح

اجريت له عمليتين في السابق بالمرارة والبواسير ثم ظهرت لدية حصوات بالكلي فرفض إجراء العملية الثالثة حتى مع كونها عملية بالرنين المغناطيسي وأخبرني بنبرة صوتية حزينه ويائسة إن كان هناك اي طريقة لتخليصه من الحصوات بلا جراحة مضيفا بأنه يستخدم البقدونس وحبة الخلة لتفتيتها ويرغب في المعالجة الذهنية كعلاج بديل تكميلي معزز بجانب العلاج بالأعشاب.

لجأنا الي التنويم الإيحائي وخلال جلسة التنويم اعلمته بأنه قد اجرى سابقا عمليتين بمكانين مختلفين بجسمه وإن عملية حصوات الكلى ستوسع مسار العمليات بجسمه فيغدو جسمه مشرحا وحتى نعيق توسعها فعليه أن يتخلص من حصوات كليتيه بإذابتها عن طريق الغطس كل يوم في الماء الدافي بالبانيو لمدة عشرين دقيقه ، لأن الماء الدافئ سيرمم العمليتين السابقتين ويذيب الحصوات ليمنع الثالثة. هذه هي الرسالة الإيجابية الوحيدة التي أمليتها على عقله الباطن اثناء جلسة التنويم.

إنتهت جلسة التنويم التي استغرقت حوالي نصف ساعة ثم ذهب في حال سبيله وبعد ايام اتصل بي يشكوا من المغص الكلوي كما هو الحال بالسابق إلا أن نبرة صوته كانت طبيعية هذه المرة فأخبرته أ يستمر بالغطس في البانيو ولا يتعجل فليس الأمر إلا مسألة وقت.

مر حوالي الشهر ين ثم أنه حضر يوما مهلالا مكبرا و مستبشرا وأخبرني بأنه البارحة شعر بألم حاد للغاية (حرقة) في منطقة الحالب اثناء التبول ثم لاحظ خروج فتات صغيرة مع البول وفي الصباح إتجه من فوره للمستشفى لتجري له تحاليل و اشعة و يبشره طبيبه بأن الحصوات قد خرجت منه ولن يحتاج إلي إجراء عملية بفضل من الله اولا وأخيرا.

كيف خرجت الحصوات منه بحمد الله؟ هل يعود السبب إلي البقدونس وبذرة الخله؟ ام هل للتنويم فضل بعد الله سبحانه وتعالى؟ مبدئيا .. أجزم بأن رسالة ( التوسع في العمليات الجراحية) فرضت على عقله الواعي و الباطن إتخاذ مبادرة قوية تجاه ايقافه ، فسواء كان للعلاج العشبي دور او للعلاج الذهني دور تبقى روح المبادرة الذاتية كحائط صد اولي لإيقاف ذلك التوسع من الشخص ذاته ليشفي ذاته بمشيئة الله سبحانه وتعالى ، فالغطس في الماء الدافئ ماهو إلا روح المبادرة للحيلولة دون إجراء العملية الثالثة ، وطالما أن هذه المبادرة قد اتخذت من قبل كلا عقله الواعي و الباطن تكون هي العلاج الحاسم مما كان يعاني منه ليبرمج جسده كليا على لفظ الحصوات خارجه بمشيئة الله سبحانه وتعالى.